وطن من زجاج .. وطن من فجيعة .. وطن من أمل
بهاء الدين رمضان

العمل الروائي هو دنيا متكاملة وثمرة لمجموعة من العناصر التي تختلط ورؤى المبدع ذاته وبعض العناصر التاريخية والإنسانية ، والمبدع كواحد من نتاج المجتمع بكل تطوراته التاريخية والسياسية والاجتماعية يعكس كل هذه التطورات داخل عمله سواء عمد إلى هذا أو لم يعمد
ورواية " وطن من زجاج " التي سنتناولها للكاتبة والمبدعة ياسمينة صالح (*) تعتمد فيها على رصد الحركة التطورية للمجتمع الجزائري في مرحلة من أهم المراحل في تاريخ الجزائر المعاصر ومن خلال الرواية نكتشف أن الإرهاب هو امتداد طبيعي للاستعمار ولما آلت إليه أحوال البلاد بعد الاستعمار أيضا .
تبدأ الرواية بموت الرشيد الشاب العسكري البسيط حيث اغتيل على يد جماعة إرهابية مسلحة، والرشيد هو واحد من رواد المقهى الذي يرتاده الراوي، وتأتي هذه البداية كمقدمة طويلة تعكس أفكار الراوي البطل (ص ص 7 : 27).
ندخل بعد ذلك في تفاصيل حياته التي يبدأها بقوله : من أنا؟، ويكرر السؤال كثيرا، لنعرف من خلال تفاصيل الرواية دون التصريح انه من مواليد عام 1966م، وكان جده إقطاعيا قديما، وهو سيد القرية والكبير في عيون الفلاحين، ماتت أمه وهي تضعه للحياة، ظل والده حزينا عليها إلى أن ترك القرية كلها دون رجعة، وقد ربط الناس فراره بعدم رغبته في الزواج مرة أخرى بعد موت زوجته فقد أصر والده على أن يزوجه زواج مصلحة فبزواجه يضم أرضا إلى أرضهم .
في العاشرة من عمره بدأت تتبلور أمامه ملامح وأبعاد القرية ، ويرتبط ارتباطا شديدا بعائلة المعلم وخاصة ابنته وابنه النذير.
كان الراوي البطل يعتبر نفسه "لاكامورا" نذير شؤم فمنذ صغره لم يذهب معه أحد ليستحم إلا وغرق هناك وعاد هو سليما ،وكان الناس يتحدثون عن هذا، أيضا كان الراوي نفسه يتعجب من ذلك .
ومع تحد المعلم للمسئولين وإصراره على النقد من أجل الإصلاح كما يراه هو اضطر للرحيل هو وعائلته من القرية على يد جد النذير، ثم تموت العمة المشلولة التي كانت تعطف على الراوي والتي أحبت عامل الاصطبل وأحبها ولم تستطع الزواج منه لرفض الجد ذلك الزواج ، ومع كثرة الحديث في القرية عن موت العمة وأسبابه والإشاعات التي كانت تنتشر بدأ الجد في الانهيار والمرض .
ويستغل رئيس البلدية مرض الجد والذي كان صديقا له في أن يحصل على كل أراضي الجد بل ويشتري البيت الذي يسكنوا فيه .
ويبدأ الراوي ـ مع شعوره بأنه أصبح بلا أي شيء في هذه الدنيا حتى السكن والمأوى ـ في التفوق على نفسه، فيدرس في كلية العلوم السياسية ويتخرج ليرفض أن ينضم إلى طابور البطالة، فيعمل في مجال الصحافة وهنا تبدأ الرواية في الدخول للمرحلة الحاسمة فقد التقى الراوي بالمهدي أحد زملاء الدراسة في الجامعة وهو ابن ضابط كبير ومعروف التقى به وقد تغير حاله تماما وانقلب إلى النقيض ، فبعد أن كان شابا شاذا جنسيا مستهترا أصبح رجلا ذو لحية ومعه زوجته منقبة، ومن هذه النقطة تدخل الرواية في معمعة الصراع الذي كان يدور داخل الجزائر بين الجماعات الإسلامية المسلحة وبين الحكومة والشعب .
يعمل الراوي في الصحافة، وكانت هذه الجماعات تتصيد أبناء هذه المهنة لتقضي عليهم واحد تلو الآخر، وبعد ان بدا اليأس يحوط بالراوي يلاحظ في يوم من الأيام اسم النذير في صحيفة ظهرت حديثا فيتوجه إليه مباشرة، ويقابله ليستعيدا الذكريات وخاصة ذكريات الراوي مع المعلم وابنته وزوجته ويعرف أن المعلم قد مات بعد أن فصل من عمله وعمل حمالا للبضائع في الميناء، ومن هنا يبدأ تعاونهما بإنشاء صحيفة مستقلة كان النذير قد فكر في إصدارها، وتبدأ رحلة جديدة من المعاناة والمتاعب من أجل الكلمة ومن أجل الصحافة.
ومع عودة الراوي للنذير تعود معه أحلامه القديمة والتي ظل يحلم بها دائما وهي حبه لابنة المعلم والتي أصبحت طبيبة ثم يكتشف بعد ذلك أنها مخطوبة لضابط، ومع توالي الأحداث يصاب النذير برصاصة قاتلة أثناء تسلله ليرى أمه فقد كان لا يزورها كثيرا خوفا من الجماعات التي تقف بالمرصاد لأرباب الصحافة لتصوب بنادقها نحوهم، ويظل النذير في المستشفى في غيبوبة مدة عشرين يوما يموت بعدها، ويبقى الراوي بعد مقتل صديقه النذير محبطا وهائما، ومع ذلك تظل آماله متجددة في حبه لابنة المعلم أخت النذير، ويتجدد حبه بقتل خطيبها بعد أخيها غير أن النهاية لا تدل على أنه استطاع أن يصل إلى قلبها، لكنه استطاع أن يغير بهذا الحب وجه هذا الوطن، فمن أجلها ومن أجل هذا الحب لا بد أن ينتصر على السوداويين ويبقى في وطن وجده فيها هكذا جاءت نهاي الرواية.
عناصر البناء الفني للرواية :
1 ـ الشخصيات
لا يستمد النص قوته من كلمات نصية فقط بل من الثقافة المباشرة والموروث الثقافي الأدبي الذي إليهما ينتمي لأن الراوي في العمل القصصي يمثل الحياة الباطنة أو الخارجية بعلاقاتها المكثفة ثم يرمز لها أو يمكنها باللغة في نموذج توصيلي موحد الاتجاه من طرفين فحسب إذ يمضي على النمط التالي مبدع ـ نص ـ متلقي " ولهذا يجب أن ندرس شخصيات العمل الروائي كوحدة سردية وإشارة لغوية .
وتركز رواية وطن من زجاج على رصد الواقع في مرحلة معينة من تاريخ الجزائر وبالتحديد فترة التسعينيات حيث انتشرت الجماعات الإرهابية وقدمت الرواية هذا الواقع بكل ما يحمله من جزيئات وتناقضات مع مزجها بالفانتازي والفلكلور الذاتي .
وأول ما يشدنا من شخصيات في رواية وطن من زجاج شخصية الراوي التي هي محور الرواية كلها ولذا حاولت المؤلفة أن تعمم من الشخصية بالا تضع لها اسما مثل شخصيات الرواية حتى يظل الراوي شخصية عامة ويصبح هو كل من قرأ أو شاهد أو عاش أحداث الرواية .
كما أن الكاتبة أيضا لم تحدد اسما لمحبوبة الراوي ابنة المعلم بالرغم من أن أخاها النذير حددت اسمه وذلك حتى تظل شخصيتها أيضا رمزا يبحث عنه الراوي والقارئ معا .
من الملاحظ أن الروائية ياسمينة صالح أتقنت بحرفية فن تضمين الأسماء في الرواية حتى بات واضحا أنها تقصد الاسم لذاته لتحمل الشخصية طاقات رمزية تتضح من الأسماء .
ويلاحظ أيضا أن الاسم مفردة أي غير منتسبة لأب وهذا يدل على عمومها ، ومن هنا تعمدت ألا أقف عند الأسماء حسب ورودها في الرواية وإنما حسب أهميتها في العمل الروائي .
ونبدأ باسم ( النذير ) فللاسم دلالة واضحة على سير الرواية فهو واحد من أبطالها وصحفي يكتب عن معاناة وطنه وينتظر موته بين حين وآخر فهو نذير وناقوس خطر يدق ليستيقظ الوطن
( عمي العربي ) هكذا يرد الاسم في الرواية بهذا الشكل وعلى الرغم أن هذا الاسم مفرد وغير منتسب إلا أنه مركب من مضاف ومضاف إليه "عمي " "العربي " والعربي لفظ يعني العروبة وهو ضد كل ما هو غربي وكان يعني في وقت سابق النضال والمقاومة والتاريخ التليد ولفظ "عمي " تعني القرابة واللحمة والحميمية ، والشخصية هنا فعلا هكذا فالعربي هذا بطل قديم مقاوم أيام الاستعمار فقد ساقه أثناء المقاومة ويجلس دائما في المقهى ولم يعد كشخصية لها تاريخا يلقى أي اهتمام أو تقدير يذكر ، ولم يذكر اسم العربي مفردا بدون "عمي" في الرواية إلا حين يتذكر الأيام القديمة "يومها أحس العربي أنه يحنق على الفرنسيين ....يكرههم لأنهم حرموه من أبية ........ الرواية ص 15".
"الرشيد" شخصية غير متحركة في الرواية لأنه يقتل على يد الإرهابيين في بداية العمل الروائي لكن يظل محورا من محاور الرواية في بداية العمل وفي وسطه أيضا حين يتذكره الراوي ، والرشيد تعني العاقل المتزن المتدبر للأمور، ومن خلال الرواية نجد أن هذه الصفات لم تعد موجودة فعلا فالإرهاب وما يفعله في الناس والدولة وطريقة معالجة الإرهاب وموقف الناس منه بالقبول أو الرفض يوضح أنه لا رشيد في هذا الوقت بين الجميع.
"الحاج عبدالله" وهو جد الراوي ولا يذكر اسمه هكذا إلا مرة واحدة على لسان رئيس البلدية حين يخبره أن المعلم شخص وغد وسيضعه في مكانه، والعبودية في هذا الاسم جاءت لله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء ولم تجيء لصفة معينة من صفاته تعالى كأن يقال عبدالجبار أو عبدالقادر ومثل هذه الشخصيات أيام الاستعمار كانت ترى أنها قادرة على فعل كل شيء وكانت متسلطة ومتجبرة وما كان يفعله في الرواية يدل على هذا ويثبت ملاءمة الاسم رغم أن بعض الروائيين يمكن أن يسمي عبدالجبار مثلا ليدل على التسلط.
"المعلم" اسم المعلم يعني الرسالة يعني الحكمة والعقل والتدبر ويعني العلم والفلسفة ويعني أيضا عمل الأنبياء ومعاناتهم وهكذا كانت هذه الشخصية في إطار الرواية ولأن مثل هذه الصفات لا وجود لها في الواقع المعاش داخل العمل الروائي فقد طرد المعلم كما يطرد الأنبياء من أوطانهم وعذب في حياته فعمل حمالا في الميناء لنقل البضائع يضعها على كتفه ويعود إلى بيته منهكا ويصبر ولا يخبر أحدا من أهله وهكذا ينطبق الاسم على صفات الشخصية .
"المهدي" اسم تهكمي فقد كان شابا مستهترا ابنا لضابط كبير له سهراته الماجنة شاذ جنسيا، فجأة يتحول للنقيض تماما وليس للوسط فيطلق لحيته ويقصر ثوبه ويتزوج وترتدي زوجته النقاب.
"النبيل" والاسم كان يعني قديما صفة لأشخاص من الطبقة الأرستقراطية وكانوا يتصفون بالمجون والخلاعة واللاعمل والشخصية رغم أنها هنا فقيرة ولا تنتمي لمثل هذه الطبقة إلا ان حياته كانت تشبههم في المجون ، يقبل أن يصادق المهدي ويعاشره جنسيا من أجل المال .
"كريمو" مصور صحفي تربى في الملجأ وهو يعمل في وكالة الأنباء يحلم بالهجرة والعمل في خارج الوطن وهو حاقد على الناس وعلى الوطن خاصة يقتل أيضا على يد الارهابيين ، وأرى ان الاسم هنا لم يعط دلالة الشخصية .
هناك شخصيات لم يحدد لها اسما وإنما كانت توصف بصفة مثل العمة رئيس البلدية الضابط زوج أخت النذير عامل الاصطبل صاحب المقهى
وهكذا نجد أن الشخصيات في رواية وطن من زجاج على ثلاثة أقسام من حيث الأسماء هناك من لا اسم له مطلقا رغم انه محور الرواية كالراوي والمحبوبة وشخصيات لها أسماء واضحة ومحددة وشخصيات لم يذكر لها اسما ولكن ذكر لها صفات تدل عليها.
وهكذا استطاعت المؤلفة أن تحسن اختيار أسماء شخصياتها في الراوية وتوظفها توظيفا جيدا يدل على تمكنها من المسك بكل خيوط العمل الروائي .
ومن الواضح أن الروائية ياسمينة صالح استطاعت أن تتقن شخصياتها في العمل الروائي وتقدم شخصياتها بدقة بدءا من الأسماء وحتى التركيبة النفسية للشخصية على الرغم من أن الرواية تدور في محورها حول الراوي والنذير والوطن كبطل أساسي في الرواية ، ولأن الرواية تدور حول الوطن فقد تنوعت شخصياتها بصفات وطبائع مختلفة السجايا .
2 ـ المنولوج الداخلي :
تعتمد الرواية اعتمادا كبيرا على المنولوج الداخلي أو مناجاة النفس ، والمنولوج الداخلي تكنيك يدخل القارئ إلى وعي الشخصية الروائية المقدمة للوقوف على محتواها النفسي وما يدور داخلها من صراعات وأفكار دون أن يشير الكاتب صراحة أو إيحاء إلى انه يقدم وعي الشخصية ويفرغ محتواها النفسي... ودائما يحدث ذلك تلقائيا ودون تدخل من المبدع.
وشخصية الراوي في رواية وطن من زجاج تعتمد على هذا التكنيك الفني ولذلك يشعر القارئ كأنه هو الذي يعيش أحداث الرواية من أولها إلى آخرها
ويظهر ذلك من أول جملة في الرواية "كيف نحب وطنا يكرهنا؟ سألته وصمت ثم غادره... لم يعاوده بمحض إرادته..... الرواية ص 7 "
ورغم اعتماد الرواية كليا على مناجاة النفس إلا أنها تعتمد أحيانا بعض التكنيكات السينمائية مثل الفلاش باك لاسترجاع بعض المواقف القديمة دون أي فواصل ولكن بتداخل واضح مع وضع بنط طباعة اكبر لمثل هذا وأحيانا يوضح الراوي أنه يتذكر حين يقول مثلا "ذلك العام الصيفي الحار من عام1972 أجل أتذكر أيامها وأنا بعد في السادسة من العمر حين كان يجرجرني جدي............" وبعد وصفه للجد والتنزهات التي كان يأخذه إليها نجد الجد يقول:ـ
"ـ اسمع يا صغيري.. اسمع جيدا من جدك.. الرجال يكبرون بسرعة...ص 26"
3 ـ الصورة
الصورة عنصر من أهم العناصر الفنية داخل العمل الروائي أو أي عمل إبداعي والصورة في كثير من الروايات الحديثة سردية تقوم على عناصر الحركة مع تباين الزمان والمكان ، والصورة في الرواية ترتبط ارتباطا وثيقا بالشعور اللاداخلي عند الراوي البطل ولذا جاءت صورة شاعرية مفعمة بمرارة داخلية يقول الراوي "لسبب غامض لم أكن أشعر بشيء سوى نشوة المشي هكذا عارياً كالفقراء، وبسيطا كالأنبياء، وحقيقيا حد اللمس ص 91". ، ويقول أيضا " أنا فقير كخبز حار ونظيف " ، وهكذا نلاحظ كثرة التشبيهات في العمل ، وتأتي الصورة أحيانا معبرة عن واقع يعيشه المتكلم ويحاول الهرب منه فيقول كريمو حين يصف الصورة اللقطة " الصورة هي نظرة لقيطة لجسد مومس " وهكذا تتنوع الصور الإبداعية داخل العمل حتى أننا تشعر وكأن العمل كله صورة واحدة .
3 ـ اللغة :
اللغة هي الوعاء الذي يصب فيه أي عمل إبداعي ، واللغة في النص الروائي أقرب الأشكال اللغوية إلى الحياة ، وفي هذا النص على الرغم من أنه نصا سياسيا واضحا من العنوان وحتى الأحداث المتتالية من بدايته إلى نهايته إلا ان لغته لغة شاعرية وبسيطة تنساب بشكل جميل، تأتي لغة الحوار في النص أحيانا بسيطة أقرب إلى العامية وإن دخلها بعض الألفاظ العامية أيضا.
وتشرح المؤلفة بعض هذه الألفاظ العامية بجمل تفسيرية غالبا:
( تلك التي حين يغادرها تقبله في جبينه وتقول له ”اتهلا في روحك يا وليدي”(اعتني بنفسك) ص: 104) ، أيضا يتخلل النص بعض الجمل الفرنسية وكذلك مقاطع كاملة من أغان فرنسية تترجم الكاتبة أغلبها:
ـ وأنت واش راك؟ comment ça va?
ـ ما تشكرس الحالة صارت "ميرد" Merde ربي يستر يا خويا العزيز! ص:51.
يبقى أن نقول أن رواية وطن من زجاج رواية حب لوطن تبحث المبدعة عن صورة مثالية له وترفض كل ما يشوبه أو يحاول تشويه وجهه ليبقى وطننا شفافا نقيا ، وكثيرا ما يقسو الإنسان على من يحب من أجل أن يراه في الصورة التي يتمناه عليها هكذا جاءت رواية وطن من زجاج للكاتبة المبدعة ياسمينة صالح فرغم ما تحمله الرواية من مآس وجراح وآلام إلا أنها تظل حتى النهاية تبحث عن أمل هو موجود فعلا وتؤكده آخر كلمات النص "لأجل أن أنتصر بالحب على القتلة. على اللذين يتربصون بي أيضا دون أن يعرفوا أنني أبقى لأجلك ولأجل ان أعيش في وطن وجدته فيك ص:175"
الهوامش:
(*) ـ ياسمينة صالح كاتبة و صحفية جزائرية، خريجة كلية علم النفس .. حاصلت مؤخرا على جائزة مالك حداد للرواية التي تشرف عليها الروائية الكبيرة أحلام مستغانمي ،عن روايتها " بحر الصمت" الصادرة عن دار الآداب ببيروت .صحفية أيضا تشرف على القسم الثقافي بمجلة نسائية
مؤلفات الكاتبة :
بحر الصمت – رواية. منشورات الاختلاف، الجزائر، 2001.
بحر الصمت – رواية. منشورات دار الآداب، بيروت، 2003.
أحزان امرأة من برج الميزان – مجموعة قصصية. منشورات جمعية المرأة في اتصال، الجزائر، 2001.
وطن الكلام – مجموعة قصصية. منشورات الكتاب العربي ، دبي، 2001.
حين نلتقي غرباء – مجموعة قصصية. منشورات دار القلم، العراق، 2002.
ما بعد الكلام - مجموعة قصصية. منشورات الكتاب العربي ، دبي 2003.
ولها بالفرنسية
les femmes d'algerie. (نساء الجزائر). منشورات فولتير. باريس.
.LE SILENCE DE LA MER(بحر الصمت). منشورات EDITION LA NOUVELLE PLUME-AIX-EN PROVENCE-FRANCE. كانون الأول-ديسمبر 2004. المترجمة: LUCIENNE TIGE
المراجع
1 ـ السيمياء والتأويل ، روبرت شولز ، ترجمة سعيد الغانمي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط 1 ، 1994م
2 ـ تيار الوعي ، د . محمود الحسيني ، كتابات نقدية ، الهئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة 1997م
3 ـ وطن من زجاج ، ياسمينة صالح ، الدار العربية للعلوم ، بيروت 1427هـ ، 2006م



كنت أفكر في الواقع الممتد على جراحنا اليومية.. نظرت إلى شكل الحارة التي بدت لي بائسة جدا.. إلى وجوه الناس المغلفة بالحزن والفجيعة والخوف.. حتى أولئك الذين كانوا يبدون أسعد من الآخرين كانوا يضحكون على مأساتهم الشخصية في المقاهي المكتظة بالكلام اليومي والهموم اليومية والوجوه التي قد تغيب في اليوم التالي بسبب الاغتيال.. كانوا يضحكون على فجيعتهم وعلى فقرهم وهمومهم بالنكت التي يخترعونها ناسيين أن "الغيلان" يضحون على النكت وعليهم معا ! كنت أتساءل طوال الطريق عن هدف القتل في شارع بائس كهذا الشارع؟ حكى لي النذير عما سمعه من الناس هنا.. الناس الذين كانوا يتناوبون على حراسة أنفسهم وأملاكهم ليلا.. حراسة بيوتهم وأهاليهم.. يجتمعون على أسطح البيوت وفي مداخل الأحياء ومخارجها. يجتمعون فرادى وجماعات مسلحين بكل ما تقع عليه أيديهم من حديد وسواطير وعصيات خشبية.. كان الناس يصنعون الأسلحة التي يدافعون بها عن أنفسهم وعن أهاليهم.. تحولت الحدادة إلى مصنع لصنع الأسلحة اليدوية كالسيوف والخناجر التي لا يعرفون استعمالها. بينما تحمل النساء مهارز أو أي شيء يقرعن عليه لتنبيه الأخريات، وهكذا يتحول الحي كله إلى قرع ودق متوازي الصوت، فيعرف الجميع أن الإرهابيين مقبلون وأن الدفاع عن النفس حتمية لا مفر منها كي لا يتحول الحي إلى خبر مجزرة في جريدة الغد ! كنت أصغي إليه وأفكر في كل الكلام الذي سمعته عن المجزرة.. عن الوطن الذي لا يحمي أبناءه، وعن الدولة الغائبة في حضور الموت والعنف معا... تماما كما قال لي ذلك الشيخ العجوز باكيا أمام جثث أبنائه وأحفاده.. قال يداري دموعه عني: وينها الدولة؟ وين كانت الدولة لما ارتكب هؤلاء هذه الجريمة؟ ظل يردد هذه الكلمات قبل أن ينفجر باكيا. أين هي الدولة؟ الدولة التي تكذّب أخبار المجازر في كل مكان. تناشد المستثمرين كي لا يصدقوا أكاذيب الشعب البائس الذي يموت يوميا، وكي لا يصدقوا الصور التي تبثها وسائل الإعلام الدولية عن المجزرة الجزائرية في زمن العار اليومي. كانت الدولة تتهم الإعلام بأنه من يسوق للعنف، وأن المجازر أكاذيب تلفقها المعارضة لهز صورة "الدولة" في المجتمع الدولي ! بينما الناس يموتون كل يوم اغتيالا. (صفحة 51).
لأول مرة أجدني أجهز نفسي للذهاب إلى بيت صار يعنيني الذهاب إليه. شعرت أن إصراري على التأنق سوف يثير غضب النذير، ولكنه كان يبتسم بسخرية لا تخلو من عزاء.. سألني فجأة: هل يمكن ارتداء ربطة عنق على شرف الرصاصة المنتظرة؟ وضحكت بدلا عنه. كنت أعدّل من ربطة عنقي، وأنظر إلى شكلي في عينيه الساخرتين.. كنت لسبب غامض أجهز نفسي، ليس لمرافقته إلى بيته، بل للذهاب إليها.. كان يكفي أن آتي إلى هنا، وأجلس وأحكي وأسمع.. أحيانا حين نصل إلى الشارع يهرع نحوه بعض الذين يعرفهم. يصافحونه بحرارة. ويسألونه عن أحواله بصدق.. وكان النذير يرد بسعادة مدهشة. بعضهم يطلب منه أن يكتب عن واقع الحي والناس. فيبتسم ولا يرد. بعضهم يعطيه رسائل لنشرها في الجريدة. رسائل مليئة بالمشاكل والشكاوى. أذكر ذات مرة، قابلنا شيخ طاعن في السن عانق النذير طويلا... كنت واقفا أصغي إلى الشيخ وهو يحكي له عن حفيده الذي هرب نحو إسبانيا. كنت أعي أن عبارة "هرب" تعني أنه ذهب بلا أوراق ولا هوية حقيقية.. استطاع أن يحجز تذكرة سفر نحو اسبانيا لعشرة أيام لم يرجع بعدها. ظل يرسل إلى أمه قائلا أنه لن يعود، وأنه وجد عملا في مطعم وأن صاحب المطعم يستغل وجوده غير الشرعي على التراب الاسبانية ليستعبده عشرات الساعات يوميا... قال لأمه في الهاتف أنه يغسل أواني المطعم ويمسح وينظف المكان ويفعل كل شيء مقابل أن يتركه صاحب المطعم ينام ويأكل.. وأنه أحيانا يعطيه راتبا مهينا لا يجرؤ مجرد الجدال حوله خوفا من أن يشكوه إلى الشرطة التي سترسله في أول باخرة عائدة إلى الجزائر.. الخوف من الرجوع جعله يبقى.. جعله يقبل أن يكون عبدا في وطن لا يشعر فيه بالإهانة تماما لأنه ليس وطنه في النهاية، ولأن وطنه الأم.. وطنه الحقيقي أهانه من قبل ! (صفحة 59).
كتبها بهاءالدين رمضان في 02:39 مساءً ::
الاسم: بهاءالدين رمضان
