قراءة فى ديوانى" على ابو سراج وابو زيد بيومى"
بقلم الناقد الأستاذ: عبد الحافظ بخيت
1-حالات على أبو سراج
يضم هذا الديوان ثلاث عشرة قصيدة تقع بين سبع وستين صفحة من القطع المتوسط ويختزل الشاعر موضوع خطابه الشعري في هذا الديوان في هذا العنوان المكثف "حالات" الذي اختاره بوابة شرعية للولوج في الديوان هو عنوان مرواغ ينفتح على أكثر من دلالة في حالات الروح وحالات الذات الشاعرة وحالات الوطن وحالات عدم التوافق بين الذات والواقع وحالات القصيدة في مسيرتها الشعرية وتشكيلاتها اللغوية والجمالية ولكن الراصد لهذه الحالات داخل الديوان يكتشف أن نصوص الديوان مجموعة من الحالات الشعرية ذات أبعاد ذاتية وروحية واجتماعية وسياسية
والملمح الرئيس في هذا الديوان هو ملمح الحزن هذا الحزن وليد حالات التصادم وعدم التوافق مع الواقع من ناحية ومن ناحية أخرى فهو حزن مفتوح على الكون كله حزن وليد الحيرة في فهم هذا الكون المجهول وأسراره الغمضة وفى فهم وضع الانسان فيه ففي قصيدة " ماتحبكهاش" يبدو الشاعر حاملا لهذا الحزن الوجودي القلق
يوووه / اما انا ملعون /دا انا زى ما اكون / مسئول عن حال الناس / والكون
فالحزن هنا حالة انبعاث من نفس الشاعر الذي يحمل هموم الكون ويعجز عن تفسيره وإذا توقفنا إمام مفردة " يوووه" التي تكرر فيها حرف الواو لمناسبة خروج النفس العميق الكاشف عن كم الحزن الكامن في النفس فإننا نكتشف أن هذا الحزن هو الذي دفع الذات الشاعرة إلى الانشطار النفسي وتحولها إلى موقف الواجهة بين ذاتين واحدة تريد الخضوع والأخرى تقف موقف الضد في مقابلة فنية صنعها الشاعر ويبدو ان الشاعر كان مدركا لهذا منذ بداية النص فقد جاء الاستهلال معلنا عن هذه المفارقة
مش طايق نفسى / نفسى اتحرر منها / واعيش درويش / او اروح وما جيش لا يحوشنى طريق / ولا باب ولا شيش
وهذا الاستهلال هو بيت القصيد في هذا النص وهو التفسير الموضوعي لهذه الازدواجية التي دفعت الشاعر إلى استخدام تقنية " المونولوج" الداخلي والكاشف عن البعد الانسانى الشفيف في الدات المحملة بالحزن الرافضة لتفسخ هذا الواقع والمعلنة تمردها عليه والتي انتصر لها الشاعر في نهاية القصيدة في مقابل الذات الأخرى
انا كارهك / مش عايز من وشك / حاجة
وعلى نفس هذا الوتر العازف لحنا حزينا والقائم على الحوار الداخلي تأتى قصيدة " مذنب" حالة إنسانية أخرى تفارق بين عالم الكبار وما يحتوى من فساد ممثلا في شخصية الأب وعالم الصغار وما يحتوى من براء وطهر ممثلا في شخصية البن الطفل وتقيم حوارا من طرف واحد بين الشاعر وابنه إسلام مازجة بين هذين العالمين حتى يستحيل الفصل بينهما والشاعر في هذا النص يقدم نفسه لابنه في صورة متهم جنى على هذا الابن حين احضره إلى الحياة وربما كانت حاضرة في ذهنه مقولة أبى العلاء " هذا ما جناه ابى على وما جنيته على احد" يقول الشاعر مؤكدا على ذلك
انا شفت فى عنيك اتهام / ودبحنى جنونك فى البكا / هدد كيان الروح / وزلزل مهجتى / صبحت حطام / والحق معاك /
والشاعر يحاول أن يبرر هذا الاتهام فيخدعنا حين يوهمنا أن الحديث إلى ابنه إسلام ولكنها محاولة في إن يرفع عن كاهله نير ما تعلق بها من خوف وقلق روحي على مستقبل هذا الوليد وهو الذي يعرف أن المستقبل مظلم ولن يحقق ابنه السعادة وعجزه عن أن يصنع لإسلام هذا مستقبل آمن فيأتي النص مناجاة روحية وصراخ بصوت عال
ابكى من خوفى عليك / ح تقابل بكره ازاى؟
ولذلك لم يكن الاعتراف بالخطأ في إنجاب الابن عملا مجانيا وإنما هو مكاشفة الشاعر لنفسة ومواجهة النفس بالتقصير والعجز
غلطان / وعرفت بغلطتى وندمان /انا كنت انانى وعميان/وجريت ورا نفسى الامارة / ف ظلمتك /جبتك بالغصب /للدنيا القاسية الجباره
وهنا تبدو القصيدة أكثر التصاقا بذات الشاعر وكأنها نحتت من روحه فتأتى الجمل الشعرية متلاحقة كأنها اللهاث واختار الشاعر روى الراء وقافية الهاء الساكنة فكانت كل قافية زفرة الم تخرج من روح الشاعر والغريب أن الشاعر في هذا النص أن الشاعر يخالف الفطرة الانسانية في علاقة الآباء بالأبناء أو الأطفال فلقد فطرت الإنسانية في أقسى حالات الألم على استقبال الأطفال بهالات الفرح حتى إن منهم من يرى أن مداعبة الأطفال فيها تخفيف عن الروح لأنها هروب إلى عالم البراءة المفتقد بيد أن الشاعر يكسر هذه القوانين حين يناغى هذا الوليد بهذا الكم من المرارة والحزن وذلك إنما لكونه شاعر متمرد كشأن الشعراء جميعا على التقاليد المتوارثة في التعامل مع نواميس الحياة ومن منها كان هذا الموقف الذي تولد عنه رغبته في ان يرسم حدود المستقبل لابنه وان يضع له الخطوط العريضة التي يسير عليها حتى يضمن المستقبل
اسلام / لو عايز تنفد بحياتك / وتقضى يومينك بسلام / اتعلق باللى يحبوك / واستغنى يمكن تديلك / اتعفف/ واقبض على دينك / وفى حلمك خليك معقول
وكان الشاعر هنا يوقف آلة الزمن عند فهمه هو للحياة ناسيا أن الظرف التاريخي حين يتغير يتبعه تغير شامل في نواميس الحياة ومنها الذات الإنسانية فإنسان الأمس يختلف عن إنسان اليوم برغم قراءته لكل وصايا الآباء والأجداد وان حاول الشاعر أن يوهمنا انه يقدم هذا الوصايا في ساحة المطلق الانسانى حتى لا تختص بإسلام وحده وإنما تختص بكل من هم في حالته
وفى حالة من الحالات التي ترصد فيها كاميرا الشاعر الأبعاد الواسعة وتتمدد بكادر الرؤية في محاولة للانفلات من مدار الذات إلى مدار الوطن يرصد الشاعر حالة الهيمنة الأمريكية على الوطن في محاولة لإدانة هذه الحالة وإدارة التشوف الشعري عنده إلى وجه الوطن ويبدو ذلك في قصيدة " القطة السودا " مستغلا في ذلك توظيف المفاهيم الشعبية في كراهية القطة السوداء وما نسجت حولها من أساطير فى الرمز بهذه القطة إلى أمريكا فجاء الرمز مفعما بالدلالة ويستهل الشاعر هذه القصيدة استهلالا اقرب إلى العفوية والغنائية
القطة السودا طالعة / بتمزمز فى الفيران / والحية لسه حية / بتولع الغيطان
ويتميز على أبو سراج فدرته على التقاط المفردات العامية الضاربة في عمق الموروث اللغوي الشعبي مثل مفردة "بتمزمز " بما تحمل هذه المفردة من التعبير عن حالة اللذة والرغبة في الإشباع والارتياح النفسي الذي تشير إليه المفردة في حالة مزمزة أمريكا في فئران العرب والشاعر في هذا النص لا يتوقف عند حد وصف الحالة وإدانتها وشجبها بل يمتد في نصه إلى تقديم الحل وإبداء الرأي في أن القوة هي الأساس في صد هذا العدوان الفكري والسياسي
وانت يابو قلب بارد / ياعرة الفرسان / الدنيا بتستحثك / انطق /سمعها صوتك /عيشة واخرتها الموت/ قاوح / اصمد /عارض/ الحزن ظرف عارض/ والفرح اولى بينا/ انوى وربك معانا / قوم كسر القضبان
وبرغم النبرة الوعظية في هذا المقطع وعد استساغتنا لمفردة " بتستحثك " لأنها تدخل في إطار التعقيد اللفظي إلا أن هذا المقطع يعتبر الصوت الأعلى في النص والذي يستصرخ الشاعر فيه أولى الأمر لأنه يرى أن حل القضية في القوة لا المهادنة
ومن الملامح الرئيسة أيضا في هذا الديوان ملمح الفقر ذلك الفقر الضاغط في المجتمع والذي تتكسر على أرصفته أحلام شريحة كبيرة وسائدة في المجمتع والشاعر مهموم بهذه الحالة متلبسها تارة عارضا مساوئها وتارة يساوى بينها وبين الموت وتارة يفضحها كاشفا عن أنياب الفقر التي يغرسها الأغنياء سهاما موجهة إلى عيون الفقراء وتكاد تكون ملاصقة لواعيته الشعرية فتدور مفردة " الفقر والفقرا " كثيرا فى اروقة نصوصه ويكشف عن ذلك في قصيدة " خطى يا موت على كل الفقرا" وهى قصيدة اشبه بحالات السخرية الباكية
احنا نموت احسن لاسيادنا / احنا يارب ارزقنا بجلطه / خلى اسيادنا يارب تعيش / من غير غم ومن غير هم / هما احق/ طبعا احق / واحنا نغ














النقد المتابع للإبداع، وخاصة الجديد منه، يعد من أهم أدوار الناقد الجاد، بل لعله الدور الباقي بين المبدعين، عندما يكون هذا النقد مضيفا وحازما حاسما وبلطف، خصوصا مع الأقلام الشابة والواعدة. 
